القارئ الشيخ محمد مجاهد.. امتداد لقرن من الزمان في خدمة القرآن وصوت ذهبي يضيء كبرى المناسبات الدينية
القارئ الشيخ محمد مجاهد.. امتداد لقرن من الزمان في خدمة القرآن وصوت ذهبي يضيء كبرى المناسبات الدينية
القاهرة
في مشهد يعكس أصالة المدرسة المصرية في تلاوة القرآن الكريم، يبرز اسم القارئ الشيخ محمد عبد المجيد حسين مجاهد، الشهير بـ "الشيخ محمد مجاهد"، كواحد من أبرز القراء على الساحة الحالية، وممتداً لمسيرة قرآنية عائلية عريقة تضرب بجذورها لأكثر من مائة عام.
وقد استطاع الشيخ محمد مجاهد أن يحجز لنفسه مكانة مرموقة في إحياء كبرى العزاءات، والمناسبات الدينية، والاحتفالات الرسمية والشعبية، بفضل ما حباه الله من صوت نديّ، وأداء خاشع، وإتقان لأحكام التلاوة، مما جعله مطلباً دائماً في المحافل القرآنية داخل مصر وخارجها.
صوت متوارث عبر الأجيال
لم يكن هذا التميز الصوتي وليد الصدفة، بل هو إرث عائلي بدأ في العاصمة القاهرة عام 1912 مع جدته الكبرى "الشيخة عائشة". تلك السيدة التي قدمت من طنطا، ورغم فقدانها للبصر، إلا أنها امتلكت صوتاً قوياً وجميلاً جعلها تُدعى لتلاوة القرآن الكريم في قصور الأمراء إبان عهد الملك فاروق، وتخرج على يديها كبار القراء، أبرزهم الشيخ علي حزين.
وانتقل هذا الإرث الصوتي والروحي إلى والده، الشيخ عبد المجيد حسين مجاهد، الذي أسس "مكتب العلم والإيمان" عام 1950، وصدح صوته المميز في محافل دولية عديدة، لا سيما في المملكة العربية السعودية، ليُسلم الراية بعد ذلك للشيخ محمد مجاهد، الذي صقل هذه الموهبة بالدراسة في معهد القراءات بالمعهد الأحمدي بطنطا، وحصوله على إجازات بأسانيد عالية.
أجور القراء.. بين القيمة والرسالة
وفي خضم النقاشات المجتمعية الدائرة حول "أجور القراء" في عصرنا الحالي وتفاوتها في العزاءات والمناسبات، يمثل الشيخ محمد مجاهد نموذجاً متوازناً يجسد احترام أهل القرآن. ففي الوقت الذي باتت فيه أجور كبار القراء تعكس مكانتهم وقيمتهم وحجم الإقبال الجماهيري على سماعهم، تؤكد مسيرة عائلة مجاهد أن المقابل المادي – على أهميته وحق القارئ فيه نظير وقته وجهده وإتقانه – لم يلغِ يوماً الرسالة الأسمى.
فرغم الحضور الطاغي للشيخ محمد مجاهد في كبرى المناسبات ذات الأجور العالية، إلا أنه لم يغفل عن الجانب الدعوي والتعليمي؛ حيث واصل مسيرة أجداده وافتتح مكاتب جديدة لتحفيظ القرآن الكريم في عدد من المحافظات والقرى، ليتوافد عليه مئات الطلاب لتعلم كتاب الله، استكمالاً لرسالة "مكتب العلم والإيمان" الذي خرج أجيالاً من الأطباء والمهندسين والضباط الحفظة.
سفير للقرآن خارج الحدود
ولم يقتصر إحياء الشيخ محمد مجاهد للمناسبات الدينية على الساحة المصرية فحسب، بل امتد نشاطه ليشمل العديد من الدول العربية والإسلامية والأوروبية، حيث لبى دعوات لإحياء ليالي قرآنية في دول مثل روسيا، داغستان، والشيشان، ليكون خير سفير لدولة التلاوة المصرية.
وقد تُوجت هذه الجهود مؤخراً بتلقيه دعوة رسمية للمشاركة في المؤتمر السنوي لكلية التربية بنين بجامعة الأزهر، لتلاوة القرآن الكريم ضمن فعاليات تكريم الشركاء المحليين ومعاهد المشايخ الأزهرية، في خطوة تعكس التقدير الأكاديمي والمؤسسي لمسيرته.
إن رحلة القارئ الشيخ محمد مجاهد ليست مجرد قصة قارئ يمتلك حنجرة ذهبية يحيي بها المآتم والاحتفالات، بل هي استمرار لرسالة عائلة سخرت نفسها لخدمة كتاب الله لأكثر من قرن، لتثبت أن الصوت الجميل عندما يمتزج بالعلم والتقوى، يترك أثراً لا يمحوه الزمن.





تعليقات
إرسال تعليق