السَّدُّ العَالِي لَا يَمْنَحُ سَدَّ النَّهْضَةِ حَصَانَةً

 السَّدُّ العَالِي لَا يَمْنَحُ سَدَّ النَّهْضَةِ حَصَانَةً
السَّدُّ العَالِي لَا يَمْنَحُ سَدَّ النَّهْضَةِ حَصَانَةً


 السَّدُّ العَالِي لَا يَمْنَحُ سَدَّ النَّهْضَةِ حَصَانَةً

تصريح وزير المياه والطاقة الإثيوبي "هبتامو إيتيفا" ، الذي طالب مصر بتفسير أسباب بناء السد العالي في أسوان دون موافقة إثيوبيا ، يستحق التوقف أمامه، ليس لإنكار واقعة تاريخية ، وإنما لفهم ما إذا كانت هذه الواقعة تصلح أساسًا للمقارنة مع سد النهضة .

فالتاريخ يقول إن إثيوبيا اعترضت بالفعل ، في خمسينيات القرن الماضي ، علىٰ مشروع السد العالي وطالبت بمراعاة مصالحها في ترتيبات مياه النيل . وهذه حقيقة تاريخية لا تحتاج مصر إلىٰ إنكارها .

لكن التاريخ وحده لا يصنع المقارنة .

المفصل الذي لا يجوز تجاهله هو موقع كل دولة علىٰ مجرىٰ النهر .

إثيوبيا تقع في الجزء الأعلىٰ من حوض النيل ، وينبع منها النيل الأزرق الذي يعبر إلىٰ السودان ، ثم يواصل النيل مساره شمالًا حتىٰ مصر ، بينما تقع مصر في نهاية هذا المسار بوصفها دولة مصب .


وهذا الفرق ليس جغرافيًا فقط، وإنما له دلالة هيدرولوجية وسياسية واضحة .


فالدولة الواقعة في أعلىٰ الحوض تستطيع ، بحكم موقعها ، التأثير في توقيت وكميات المياه التي تتجه إلىٰ دول المصب ، بينما تعتمد دولة المصب في وصول المياه إليها علىٰ ما يحدث في الأجزاء الأعلى من النهر .


ومن هُنٰا تصبح مقارنة السد العالي بسد النهضة لمجرد أن كليهما منشأة علىٰ نهر النيل مقارنة ناقصة .


السد العالي أُقيم داخل دولة المصب ، أما سد النهضة فأُقيم علىٰ النيل الأزرق داخل دولة المنبع .


وهذا هو الفارق الذي يجب أن يبدأ منه أي نقاش جاد .


إثيوبيا تملك حقًا مشروعًا في التنمية والاستفادة من مواردها الطبيعية ، كما أن مصر تملك حقًا مشروعًا في حماية أمنها المائي . لكن حق التنمية لا يعني أن الموقع الجغرافي لدولة المنبع يلغي مصالح دول المصب ، كما أن وجود دولة في المصب لا يمنحها حق منع التنمية في دول أعالي النهر .


القضية إذن ليست : « هل تحتاج مصر إلىٰ موافقة إثيوبيا لبناء السد العالي ؟ » .


وليست أيضًا : « هل تحتاج إثيوبيا إلىٰ موافقة مصر علىٰ إقامة سد داخل أراضيها ؟ » .


القضية الحقيقية هي كيفية ممارسة كل دولة لحقوقها عندما تكون المنشأة المقامة علىٰ مجرى مائي دولي قادرة علىٰ التأثير في دولة أخرىٰ .


وهُنٰا يصبح إعلان مبادئ سد النهضة الموقع عام ٢٠١٥ بين مصر والسودان وإثيوبيا نقطة لا يمكن تجاوزها .


فالإعلان لم يكتفِ بالحديث عن حق الدول في التنمية والاستخدام المنصف والمناسب لموارد النهر ، وإنما تضمن أيضًا مبدأ عدم التسبب في ضرر ذي شأن ، والتعاون ، وتبادل البيانات والمعلومات ، والتنسيق بشأن الملء والتشغيل ، وتسوية النزاعات بالطرق السلمية .


وبالتالي ؛ فإن استدعاء السد العالي لا ينبغي أن يتحوَّل إلىٰ محاولة لإسقاط هذه المبادئ أو تجاوزها .


فإذا كانت إثيوبيا ترىٰ أن عدم الحصول علىٰ موافقتها في الماضي يمثل مسألة تستحق النقاش ، فمن حقها طرحها تاريخيًا .


لكن لا يمكن تحويل هذا الملف التاريخي إلىٰ قاعدة تقول إن ما حدث قبل عقود يمنح دولة المنبع اليوم حرية مطلقة في إدارة منشأة يمكن أن تؤثر في دول المصب .


العلاقات بين دول الأنهار لا تُدار بمنطق : أنتم فعلتم ذلك بالأمس ، ولذلك نفعل ما نريد اليوم .


وإنما تُدار بمنطق مختلف : حقوق متبادلة ، والتزامات متبادلة ، وتعاون ، وعدم إضرار، وشفافية ، واتفاقات تحكم الأفعال التي يمكن أن تمتد آثارها خارج حدود الدولة .


ومن هُنٰا ؛ فإن الدفاع عن الموقف المصري لا يحتاج إلىٰ إنكار التاريخ ، ولا إلىٰ الدخول في سجال عاطفي مع إثيوبيا .


يكفي أن نضع المسألة في إطارها الصحيح :

إثيوبيا دولة منبع ، ومصر دولة مصب ، والنيل نهر عابر للحدود ، وأي مشروع كبير على مجراه لا يمكن بحثه بمعزل عن آثاره على بقية دول الحوض .


أما السد العالي ؛ فقد أصبح جزءًا من التاريخ المصري والعالمي والتنمية المصرية ، ولا يمكن استخدامه اليوم كذريعة لإعفاء أي مشروع آخر من قواعد التعاون والالتزامات التي قبلت بها الدول نفسها .


والرسالة المصرية هنا يجب أن تكون واضحة وهادئة :

نحن لا نعترض على حق إثيوبيا في التنمية ، وإنما نتمسك بأن التنمية لا تكون على حساب أمن دول أخرى ، وأن حقوق المنبع لا تلغي حقوق المصب ، كما أن حقوق المصب لا تلغي حقوق المنبع .


فالنيل يجمع دُوَلِهِ ، ولا ينبغي أن يتحوَّل إلىٰ أداة للضغط على أي منها .


✍️ يٰاسِرْ مَرْوَانْ

الإتحاد الوطني لمكافحة الفساد والإرهاب

ودعم مؤسسات الدوله

رئيس الهيئة الإستشارية العليا

ولجنة الأمن القومي

مجلس التنميه العربيه والتعاون الدولي

النقابه العامه لمستشاري التحكيم الدولي وخبراء الملكيه الفكريه

العلاقات الدبلوماسية والقنصلية

لجنة تقصِّي الحقائق

الله الوطن الجيش

تعليقات