من سيناء إلى تسليح الجيش ثم مناورة الشمال ؛ رسائل مصر في توقيت إقليمي حساس
من سيناء إلى تسليح الجيش ثم مناورة الشمال ؛ رسائل مصر في توقيت إقليمي حساس
ما بين التصريحات الإسرائيلية بشأن سيناء ، وحديث الرئيس عبد الفتاح السيسي عن سؤال بنيامين نتنياهو حول أسباب تسليح مصر ، ثم مناورة الجيش الثاني الميداني بالذخيرة الحية بحضور وزير الدفاع ، تتشكل أمامنا صورة تستحق القراءة والتحليل ، لا باعتبارها أحداثًا منفصلة ، بل باعتبارها مؤشرات متزامنة في مشهد إقليمي بالغ الحساسية .
سيناء ليست ورقة للمساومة ، وقوة مصر ليست موضع استئذان .
بدأ المشهد بتصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش ، التي زجَّ فيها باسم سيناء في سياق التهديدات الموجهة إلى مصر ، بالتزامن مع طرح أفكار تتعلق بتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة .
وجاء الرد المصري رافضًا بشكل قاطع الزج باسم سيناء ، ومؤكدًا أن مصر لن تقبل بتهجير الفلسطينيين من أرضهم ، ولن تشارك في أي مسار يستهدف تصفية القضية الفلسطينية على حساب أمنها القومي .
وهنا تتجاوز المسألة حدود الرد على تصريح إسرائيلي ؛ لأن سيناء ليست مجرد مساحة جغرافية ، بل أرض استردتها مصر بتضحيات شعبها وجيشها ، ولا يمكن التعامل مع سيادتها باعتبارها ورقة في حسابات الصراع الإقليمي .
كما أن رفض تهجير الفلسطينيين ليس موقفًا إنسانيًا وسياسيًا فحسب ، بل يرتبط مباشرة بالأمن القومي المصري ، وبمنع نقل تبعات الصراع إلى الأراضي المصرية ، أو فرض واقع جديد يهدد استقرار المنطقة .
القوة المصرية ؛ منطق الردع وحماية السلام .
وفي اليوم التالي الذي تناول فيه الرئيس السيسي هذه التطورات في خطابه ، كشف عن حوار سابق جمعه بنتنياهو ، سأله خلاله رئيس الوزراء الإسرائيلي عن أسباب تسليح مصر وتحديث قدرات جيشها .
وكان رد الرئيس واضحًا في جوهره ؛ فالقوة المصرية ليست تهديدًا لإسرائيل ، كما أن امتلاك القوة ضرورة لحماية السلام في منطقة تعصف بها الأزمات والصراعات .
وهنا تكمن دلالة استراتيجية مهمة ؛ فالسلام لا يعني أن تتخلى الدولة عن أسباب قوتها ، ولا أن تصبح حماية أمنها القومي رهينة لحسابات الآخرين .
الدولة التي تمتلك جيشًا قادرًا على حماية حدودها ومصالحها تكون أقدر على مواجهة الضغوط ، والحفاظ على استقلال قرارها ، ورفض أي محاولة لفرض الأمر الواقع عليها .
ولم يكن حديث الرئيس عن التسليح منفصلًا عن القضية الفلسطينية ، فقد أعاد التأكيد على أن إقامة دولة فلسطينية تمثل طريقًا نحو سلام حقيقي واستقرار مستدام ، بينما تظل معالجة نتائج الصراع دون حل جذوره سببًا لاستمرار التوتر وعدم الاستقرار .
فالقوة هنا ليست نقيضًا للسلام ، بل أحد عناصر حمايته ، بشرط أن تقترن بالحسابات السياسية المسؤولة ، والقدرة على منع الحرب دون التفريط في الحقوق أو السيادة .
من الرسالة السياسية إلى الجاهزية العسكرية .
ثم جاءت مناورة الجيش الثاني الميداني بالذخيرة الحية ، بحضور وزير الدفاع الفريق أول أشرف سالم زاهر ، لتضيف بُعدًا عسكريًا إلى مشهد تتزايد فيه حساسية الحسابات الإقليمية .
وقد شملت المناورة تدريبات وعمليات تكتيكية شاركت فيها عناصر من القوات الجوية والمدفعية والمدرعات والقوات الخاصة ، بما يعكس أهمية التنسيق بين الأسلحة المختلفة ، ورفع الكفاءة القتالية ، واختبار القدرة على تنفيذ المهام في ظروف عملياتية متغيرة .
وتكتسب هذه المناورة أهمية في ضوء موقع الجيش الثاني الميداني ومسؤولياته في نطاق استراتيجي يرتبط بشمال سيناء .
لكن القراءة الموضوعية تقتضي التمييز بين دلالة الجاهزية العسكرية وبين الجزم بأن المناورة كانت ردًا مباشرًا على التصريحات الإسرائيلية ؛ إذ لا يكفي التقارب الزمني وحده لإثبات أن التدريبات أُجريت لهذا السبب تحديدًا .
ومع ذلك ، فإن ظهور هذه المناورة في هذا التوقيت يمنح المتابع فرصة لقراءة الصورة الأوسع ؛ فالتدريب المستمر ، ورفع الكفاءة القتالية ، والحفاظ على الاستعداد ، كلها عناصر أساسية في بناء قدرة الدولة على حماية مصالحها في بيئة إقليمية متغيرة .
هل نحن أمام تصعيد أم تثبيت لمعادلة الردع ؟
القراءة الاستراتيجية لهذه التطورات تشير إلى تلاقي ثلاثة مسارات ؛ موقف سياسي يرفض المساس بسيادة مصر ، ورسالة رئاسية تؤكد أن التسليح ضرورة لحماية السلام ، واستعداد عسكري يعكس الاهتمام برفع الكفاءة والجاهزية .
ولا يعني هذا التلاقي أن مصر تتجه بالضرورة إلى مواجهة عسكرية ، كما لا يصح اختزال الرسائل المصرية في مجرد ردود فعل على تصريحات إسرائيلية .
الأقرب إلى منطق الدولة هو أن حماية السلام تتطلب امتلاك القدرة على مواجهة المخاطر ، وأن رفض التهديد لا يستلزم الانجرار إلى التصعيد ، بل يستلزم وضوح الموقف ، وحسابات دقيقة ، واستعدادًا يحول دون الاعتقاد بإمكانية فرض إرادة خارجية على مصر .
ويبقى السؤال الأهم متعلقًا بما ستؤول إليه السياسات الإسرائيلية تجاه غزة وسيناء ، وما إذا كانت التصريحات ستظل في إطار الخطاب السياسي ، أم ستتبعها محاولات لفرض وقائع جديدة على الأرض .
فالمعيار الحقيقي ليس التصريحات وحدها ، وإنما ما يصاحبها من قرارات وتحركات وسياسات فعلية .
مصر لا تحتاج إلى إعلان نواياها في كل مرة ؛ فسيادتها ثابتة ، وقرارها الوطني لا يُختزل في تصريحات الآخرين .
وفي منطقة لا تستقر فيها موازين القوة طويلًا ، تظل المعادلة الأهم هي الجمع بين الحكمة السياسية ، والقدرة العسكرية ، والتمسك بالحقوق الوطنية ، حتى يبقى السلام خيارًا تحميه القوة ، لا واقعًا تفرضه الضغوط .
✍️ يٰاسِرْ مَرْوَانْ
الإتحاد الوطني لمكافحة الفساد والإرهاب
ودعم مؤسسات الدوله
رئيس الهيئة الإستشارية العليا
ولجنة الأمن القومي
مجلس التنميه العربيه والتعاون الدولي
النقابه العامه لمستشاري التحكيم الدولي وخبراء الملكيه الفكريه
العلاقات الدبلوماسية والقنصلية
لجنة تقصِّي الحقائق
الله الوطن الجيش

تعليقات
إرسال تعليق