أنا لست مجرد معلم للغة العربية ، أنا مُحِبٌّ للغة العربية! بقلم: د/ علاء المصري

أنا لست مجرد معلم للغة العربية ، أنا مُحِبٌّ للغة العربية!  بقلم: د/ علاء المصري
أنا لست مجرد معلم للغة العربية ، أنا مُحِبٌّ للغة العربية! بقلم: د/ علاء المصري

 أنا لست مجرد معلم للغة العربية ، أنا مُحِبٌّ للغة العربية!

بقلم: د/ علاء المصري



أنا لست مجرد معلم للغة العربية، أقف أمام طلابي لأشرح قاعدةً نحوية، أو أفكَّ تركيبًا بلاغيًّا، أو أفسر نصًّا أدبيًّا، ثم أنصرف مع انصراف الحصة، وكأنني أديتُ واجبًا وانتهى الأمر!

أنا مُحِبٌّ للغة العربية… والحبُّ حين يسكن القلب يتحول إلى رسالة، والرسالة حين تصدق تصبح عمرًا يُوهَب، لا وظيفةً تُؤدَّى!

أنا لا أرى في العربية حروفًا تُكتب، وكلماتٍ تُنطق، وقواعدَ تُحفظ؛ بل أرى فيها وطنًا يسكن اللسان، وتاريخًا ينبض في الكلمات، وحضارةً تتكلم، وهويةً لا تُختصر في جواز سفر، ولا تُمحى بتغير الأزمنة.

حين أشرح النحو، لا أرى نفسي أُعرب كلمةً فحسب، بل أُزيل الغموض عن عقل، وأفتح نافذةً على نظام اللغة ودقة التعبير.

وحين أشرح البلاغة، لا أعدُّ المحسنات والصور، بل أُعلِّم طلابي كيف يرون الجمال فيما وراء الكلمات، وكيف يدركون أن العبارة قد تكون عاديةً في ظاهرها، لكنها تحمل من المعاني ما تعجز عنه صفحاتٌ كاملة.

وحين أقرأ بيتًا من الشعر العربي، لا أتعامل معه بوصفه شاهدًا يُحفظ للامتحان؛ بل أستدعي روحًا من الماضي، وأمنحها فرصةً لتعيش في وجدان الحاضر.

أنا لا أُعلِّم اللغة العربية وحدها؛ أنا أُعلِّم كيف نفكر بها، ونشعر بها، ونعبِّر عن أنفسنا من خلالها.

ولأنني أحب العربية، فإنني لا أريد لطلابي أن يخافوها، ولا أن ينظروا إليها باعتبارها جبلًا من القواعد الصعبة، أو مادةً ثقيلةً لا سبيل إلى النجاة منها إلا بالحفظ.

أريدهم أن يكتشفوا أن النحو ليس عدوًّا للحرية، بل طريقٌ إلى سلامة التعبير، وأن البلاغة ليست ترفًا لغويًّا، بل فنٌّ يجعل الكلام أعمق أثرًا وأشدَّ جمالًا، وأن الأدب ليس ماضيًا نردده، بل تجربة إنسانية تُعلِّمنا كيف نفهم الحياة والإنسان.

أريد الطالب الذي كان يرتجف خوفًا من الإعراب أن يقف واثقًا فيقول: فهمت!

وأريد الذي كان يظن أن العربية لغةٌ صعبة لا يحبها أحد أن يكتشف يومًا أنه يستطيع أن يستمتع بنصوصها، ويكتب بها، ويُبدع من خلالها.

فما قيمة العلم إذا أورث النفور؟ وما جدوى المعرفة إذا عجزنا عن إشعال شغف المتعلم بها؟

إن أعظم نجاح لمعلم اللغة العربية ليس أن يحفظ طلابه القواعد، بل أن يجعلهم يحبون اللغة حتى يتعلموا قواعدها بإرادتهم.

ولستُ ممن يظنون أن حب العربية يعني الانغلاق عن العالم، أو العداء للغات الأخرى؛ بل أؤمن أن الإنسان يستطيع أن يتعلم لغات العالم كلها، وأن يفتح عقله لكل ثقافة نافعة، دون أن يخجل من لغته أو يتنكر لهويته.

فليس من الرقي أن تتحدث بلسان الآخرين وأنت تحتقر لسانك، وليس من التقدم أن تنظر إلى لغتك باعتبارها عبئًا من الماضي.

إنني أريد لطلابي أن يتقنوا لغات العالم، لكنني أريدهم أيضًا أن يعرفوا قيمة لغتهم، وأن يدركوا أن الاعتزاز بالعربية لا يتعارض مع الانفتاح، بل يمنحه جذورًا راسخة.

فمن عرف قيمة لغته، لم يحتج إلى الانتقاص من لغة غيره؛ ومن وثق بهويته، لم يخشَ أن يتعلم من العالم كله.

أنا أحب العربية، ولذلك يؤلمني أن تُختزل في امتحان، وأن تُقدَّم إلى الأجيال باعتبارها مجموعةً من القواعد التي ينبغي اجتيازها، لا عالمًا واسعًا يستحق الاكتشاف.

ويؤلمني أن نتغنى بعظمة العربية في المناسبات، ثم لا نمنحها المكانة التي تستحقها في التعليم والبحث والإبداع.

ويؤلمني أن نبكي على أمجادها القديمة، بينما لا نبذل ما يكفي لصناعة أمجاد جديدة بها.

فالعربية لا تحتاج إلى من يمدحها بقدر ما تحتاج إلى من يعمل لها؛ إلى معلم يُحسن تدريسها، وكاتب يُجيد التعبير بها، وباحث ينتج المعرفة من خلالها، ومبدع يمنحها حياةً جديدة في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

إن حب اللغة لا يُقاس بعلو الصوت في الدفاع عنها، بل بصدق العمل من أجلها.

ولهذا، حين أدخل فصلي، لا أشعر أنني ذاهب لأداء حصةٍ دراسية فحسب؛ بل أشعر أنني أحمل أمانةً، وأن أمامي عقولًا صغيرةً يمكن لكلمة صادقة أن تغيّر علاقتها بلغتها إلى الأبد.

قد ينسى الطالب قاعدةً شرحتها، وقد يخطئ في إعراب كلمة، وقد يحتاج إلى وقت طويل حتى يتقن الكتابة؛ لكنني أتمنى أن يخرج من عندي وهو يحمل شيئًا أهم من كل ذلك: أن العربية لغة تستحق أن تُحَب، وأن الخطأ ليس نهاية التعلم، وأن المعرفة بابٌ مفتوح لكل من يملك الإرادة.


فأنا لا أريد أن أكون معلمًا يمر في حياة طلابه ثم يُنسى، بل أريد أن أكون سببًا في أن يحب أحدهم العربية، فيقرأ بها، ويكتب بها، ويعلِّمها يومًا لغيره.


وهل هناك أثرٌ أجمل من أن تزرع حبًّا في قلب إنسان، ثم يمضي هذا الحب في العالم بعد أن تنتهي رحلتك معه؟


إنني أعلم أنني لن أستطيع وحدي أن أغيّر واقع اللغة العربية، ولن أتمكن بمفردي من إصلاح كل ما يحتاج إلى إصلاح؛ لكنني أؤمن أن كل طالب أحب العربية بصدق هو انتصار صغير في معركة الوعي، وأن كل حصة ناجحة قد تكون بداية علاقة طويلة بين عقلٍ ولغة.


ولذلك، لن أكتفي بأن أشرح العربية، بل سأحاول أن أجعلها مفهومةً، ولن أكتفي بأن أطالب طلابي باحترامها، بل سأمنحهم أسبابًا تجعلهم يقدّرونها، ولن أكتفي بأن أخبرهم عن جمالها، بل سأصطحبهم إلى هذا الجمال بأنفسهم.


وفي النهاية…


أنا لست مجرد معلم للغة العربية، أؤدي عملي ثم أعود إلى حياتي كأن شيئًا لم يكن.

أنا مُحِبٌّ للغة العربية، أحمل حبها في فكري، ورسالتها في عملي، وأملها في طلابي.

أنا لا أُدرِّس حروفًا صامتة، بل أوقظ معاني، ولا أشرح قواعد جامدة، بل أفتح أبوابًا للفهم، ولا ألقِّن طلابي ماضي اللغة فحسب، بل أحاول أن أجعلهم شركاء في مستقبلها.

قد لا يعرف العالم اسمي، وقد لا يتذكر الجميع دروسي، لكن يكفيني أن يخرج من بين طلابي من يحب العربية كما أحببتها، ويخدمها كما حاولت أن أخدمها، ويحمل رسالتها إلى جيلٍ جديد.

فأنا لم أختر العربية لأجعلها مهنتي فحسب؛ لقد اخترتها لأنها صارت جزءًا من رسالتي، وصار حبها جزءًا من هويتي.

أنا لست مجرد معلم للغة العربية… أنا مُحِبٌّ للغة العربية، وما التدريس عندي إلا الطريقة التي أُترجم بها هذا الحب إلى رسالة!


✍️ د/ علاء المصري

تعليقات