الوعي هو الجبهة الرابعة... فهل نحن مستعدون؟ بقلم / ندى كامل
الوعي هو الجبهة الرابعة... فهل نحن مستعدون؟
بقلم / ندى كامل
في الماضي كانت الحروب تُخاض بالدبابات والطائرات، وتُحسم بالمعارك على الأرض، أما اليوم فقد تغيرت أدوات الصراع وأصبحت الحروب تُخاض أحيانًا عبر شاشة هاتف، أو منشور، أو مقطع فيديو لا يتجاوز ثواني معدودة، أو شائعة تنتشر في دقائق. لم يعد الهدف دائمًا احتلال الأرض، بل أصبح في بعض صور الصراعات الحديثة التأثير في وعي الإنسان، وصناعة الخوف واليأس والشك، والتأثير في طريقة تفكيره ونظرته إلى دولته ومجتمعه ومستقبله. ومن هنا برزت «الجبهة الرابعة»؛ جبهة الوعي.
ويُقصد بالحروب الناعمة، بصورة عامة، استخدام أدوات غير عسكرية للتأثير في المجتمعات وتغيير اتجاهاتها وقناعاتها، من خلال الإعلام، والمنصات الرقمية، والمعلومات المضللة، والشائعات، والحملات النفسية، وغيرها من الوسائل التي تستهدف العقل قبل الأرض. فالمعركة هنا لا تعتمد على صوت الرصاص بقدر اعتمادها على القدرة على صناعة رواية، وتكرارها، ودفع الناس إلى تصديقها والتفاعل معها. والخطر الحقيقي أن المواطن قد يتحول، دون أن يدرك، من متلقٍ للمعلومة إلى أداة في نشرها.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن تستهدفه أي حملة تضليلية هو ثقة الإنسان في نفسه ومجتمعه ودولته ومستقبله. تبدأ الرسالة أحيانًا بتضخيم أزمة حقيقية، ثم تحويلها إلى حالة عامة من اليأس، أو استغلال مشكلة اقتصادية أو اجتماعية قائمة لتقديم صورة توحي بأن كل شيء ينهار، وأن لا أمل في الإصلاح، وأن الحل الوحيد هو الفوضى. وهنا يجب التأكيد على أن الوعي لا يعني إنكار المشكلات أو تبرير الأخطاء، كما لا يعني تحويل المواطن إلى شخص يصفق لكل شيء؛ بل يعني أن يمتلك القدرة على التمييز بين النقد الموضوعي والتضليل، وبين المعلومة والشائعة، وبين المطالبة بالإصلاح والدعوة إلى الفوضى.
إن مصر، مثلها مثل أي دولة تواجه تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، تحتاج إلى بناء وعي حقيقي لدى مواطنيها. فالمواطن الواعي لا يصدق كل ما يراه على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا يتعامل مع كل مقطع مجهول المصدر باعتباره حقيقة، ولا يسمح لعنوان مثير أو صورة مفبركة بأن تصنع موقفه. إنه يسأل أولًا: من نشر هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل توجد مصادر موثوقة تؤكدها؟ وما الهدف من نشرها في هذا التوقيت؟
وتزداد خطورة الأمر مع سرعة انتشار المحتوى الرقمي؛ فقد تحتاج الشائعة إلى ساعات أو حتى دقائق حتى تصل إلى ملايين الأشخاص، بينما قد تحتاج الحقيقة إلى وقت أطول للتحقق منها ونشرها. ولذلك أصبحت سرعة الاستجابة بالمعلومة الموثوقة جزءًا أساسيًا من مواجهة التضليل، لأن ترك مساحة فارغة من المعلومات يفتح الباب أمام روايات غير موثوقة لملء هذا الفراغ.
ومن أخطر الأدوات التي تستخدم في التأثير على المجتمعات «صناعة اليأس». فعندما يقتنع الإنسان بأن لا فائدة من العمل، وأن كل محاولة للإصلاح مصيرها الفشل، وأن مستقبله مسدود، فإنه يفقد الرغبة في المشاركة والبناء. وهنا لا تكون المشكلة في انتقاد واقع معين، وإنما في تحويل النقد إلى قناعة دائمة بأن التغيير مستحيل. كذلك تأتي الشائعة باعتبارها أداة شديدة التأثير، خصوصًا عندما تمس احتياجات الناس الأساسية أو مخاوفهم اليومية، مثل الأسعار أو الصحة أو الأمن أو فرص العمل.
كما أن المقارنة غير العادلة يمكن أن تكون وسيلة لصناعة الإحباط، عندما تتم مقارنة دولة بظروفها الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية المختلفة بدولة أخرى دون النظر إلى اختلاف الموارد والسكان والتحديات. وكذلك فإن التشكيك المستمر في كل إنجاز دون تقييم موضوعي، أو تصوير كل مشروع باعتباره بلا قيمة، يمكن أن يؤدي إلى حالة من فقدان الثقة العامة. وفي المقابل، فإن التهويل من الإنجازات أو تجاهل الأخطاء ليس وعيًا أيضًا؛ فالوعي الحقيقي يقوم على رؤية الصورة كاملة، بما لها وما عليها.
ومن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات كذلك محاولات التفريق بين مكوناتها، سواء على أساس ديني أو اجتماعي أو جغرافي أو طبقي. فالمجتمع المتماسك أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، بينما المجتمع الذي ينقسم إلى مجموعات متصارعة يصبح أكثر قابلية للتأثر بالشائعات وخطابات الكراهية. ولذلك فإن الحفاظ على وحدة المجتمع ليس مجرد شعار، بل هو أحد عناصر القوة الوطنية.
والتاريخ الحديث يقدم لنا العديد من الدروس حول خطورة المعلومات المضللة والدعاية السياسية والإعلامية أثناء الأزمات والصراعات. فقد لعبت الدعاية والمعلومات غير الدقيقة أدوارًا مؤثرة في تشكيل الرأي العام وتبرير قرارات سياسية وعسكرية خطيرة في أكثر من تجربة دولية. ومن ثم فإن الدرس الأهم ليس أن نصدق رواية واحدة ونرفض كل ما عداها، وإنما أن نتعلم كيف نتحقق، وكيف نقرأ الأحداث في سياقها، وكيف نفرق بين الحقيقة والرأي والدعاية.
ومن هنا تبدأ مواجهة «الجبهة الرابعة» من الفرد نفسه. قبل أن تشارك منشورًا أو تعيد نشر مقطع فيديو، اسأل نفسك: ما مصدره؟ وما الدليل عليه؟ ومن المستفيد من انتشاره؟ وهل توجد جهة رسمية أو مؤسسة موثوقة أو أكثر من مصدر مستقل يؤكده؟ فثوانٍ قليلة من التفكير قد تمنع آلاف الأشخاص من الوقوع في فخ معلومة كاذبة.
ثم يأتي دور المجتمع، فالوعي مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية ومؤسسات الدولة والمجتمع المدني. ولا يمكن مواجهة التضليل بمجرد بيانات رسمية متأخرة، بل نحتاج إلى ثقافة عامة تجعل التحقق من المعلومات سلوكًا يوميًا، وتعلم الشباب كيفية التعامل مع المحتوى الرقمي، وتدربهم على التفكير النقدي والتمييز بين المصادر الموثوقة وغير الموثوقة.
وفي الوقت نفسه، فإن مسؤولية الدولة لا تقل أهمية عن مسؤولية المواطن. فمواجهة الشائعات لا تكون فقط بمطالبة الناس بعدم تصديقها، وإنما بتوفير المعلومات الصحيحة في الوقت المناسب، وشرح الأزمات للرأي العام، وإتاحة قدر مناسب من الشفافية، ومحاسبة المخطئ، والرد السريع على المعلومات الكاذبة، لأن المعلومة الموثوقة هي أقوى سلاح في مواجهة الشائعة. وكلما زادت الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، أصبح من الصعب على حملات التضليل أن تجد أرضًا خصبة للانتشار.
أما المواطن، فدوره لا يتوقف عند عدم نشر الشائعة، وإنما يمتد إلى المشاركة الإيجابية في بناء المجتمع. فالموظف الذي يؤدي عمله بضمير، والتاجر الذي يرفض الاحتكار والغش، والأم التي تربي أبناءها على المسؤولية، والشاب الذي يعمل ويطور نفسه، والمواطن الذي يطالب بحقه بالطرق القانونية، كل هؤلاء يشاركون في حماية الدولة بصورة عملية. فالدولة لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بسلوك ملايين المواطنين في حياتهم اليومية.
والوعي الوطني الحقيقي لا يعني أن نغض الطرف عن المشكلات، بل يعني أن نواجهها بعقل، وأن نفرق بين الإصلاح والفوضى، وبين النقد والهدم، وبين الحقائق والشائعات. فمن حق المواطن أن يسأل، ومن حقه أن ينتقد، ومن حقه أن يطالب بتحسين الخدمات ومواجهة الفساد وحل المشكلات، لكن عليه في الوقت نفسه أن يتحرى الدقة وألا يسمح لأحد بأن يحول غضبه المشروع إلى أداة لهدم مجتمعه.
إن أقوى رد على أي محاولة لإضعاف الدولة ليس الصراخ ولا التخوين، وإنما أن يصبح المجتمع أكثر وعيًا وتماسكًا وقدرة على العمل والإنتاج والإصلاح. فالدول لا تحافظ على قوتها بالسلاح وحده، وإنما أيضًا بوعي شعوبها وثقتها في قدرتها على تجاوز الأزمات.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن الهاتف الذي نحمله يمكن أن يكون وسيلة للمعرفة، ويمكن أيضًا أن يتحول إلى أداة لنشر الخوف والشائعة والتضليل. والاختيار يبدأ من كل فرد منا. لذلك، قبل أن تضغط زر «مشاركة»، توقف للحظة، فربما تكون المعلومة التي تنشرها مجرد شائعة، وربما يكون تأثيرها أكبر مما تتخيل.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
فالوعي ليس رفاهية، وليس شعارًا يُرفع في المناسبات، وإنما مسؤولية وطنية وسلوك يومي. وإذا كانت الحروب الحديثة قد فتحت جبهة جديدة تستهدف العقول، فإن امتلاك الوعي والقدرة على التفكير والتحقق والعمل الإيجابي هو خط الدفاع الأول.
الرصاصة قد تصيب فردًا، أما الشائعة فقد تصيب مجتمعًا بأكمله؛ ولذلك فإن الوعي هو الدرع الذي يحمي الوطن.
حفظ الله مصر وشعبها، وحفظ وعيها وتماسكها.

تعليقات
إرسال تعليق