محمد حسين لـ«اليوم السابع»: الإدارة العربية تحتاج إلى تغيير الفكر قبل تغيير اللوائح

محمد حسين لـ«اليوم السابع»: الإدارة العربية تحتاج إلى تغيير الفكر قبل تغيير اللوائح
محمد حسين لـ«اليوم السابع»: الإدارة العربية تحتاج إلى تغيير الفكر قبل تغيير اللوائح

 محمد حسين لـ«اليوم السابع»: الإدارة العربية تحتاج إلى تغيير الفكر قبل تغيير اللوائح

في ظل التحولات العالمية المتسارعة، لم تعد كفاءة المؤسسات تُقاس بحجم مواردها، بل بقدرتها على إدارة التغيير، وصناعة القرار، والتكيف مع المتغيرات. وفي المقابل، تواجه الإدارة العربية تحديات تستدعي مراجعة العديد من المفاهيم والممارسات الإدارية لمواكبة متطلبات التنمية والمنافسة. 

وفي هذا الإطار، أجرت «اليوم السابع» هذا الحوار مع د. محمد حسين، الخبير الدولي في إدارة التغيير والتطوير المؤسسي، للوقوف على رؤيته لواقع الإدارة العربية، وأبرز تحدياتها، وما تحتاج إليه من تطوير، ولمناقشة مستقبل الإدارة في ظل التحولات العالمية، انطلاقًا من قناعته بأن مستقبل الإدارة يبدأ بتغيير الفكر قبل تغيير اللوائح.



*من واقع خبرتك في إدارة التغيير، ما أكثر الأخطاء التي ترتكبها المؤسسات والشركات عند تنفيذ برامج التطوير والإصلاح؟ ولماذا تفشل بعض خطط التغيير؟وما الآليات التي تضمن تحويل التغيير إلى ثقافة مؤسسية مستدامة؟*


أرى أن الخطأ الأكثر شيوعًا هو أن كثيرًا من المؤسسات تتعامل مع التغيير باعتباره قرارًا إداريًا أو مشروعًا له بداية ونهاية، بينما هو في الحقيقة ثقافة مؤسسية تبدأ من الإنسان قبل الأنظمة واللوائح. لذلك نرى مؤسسات تمتلك موارد قوية وقيادات داعمة، لكنها لا تحقق النتائج المرجوة لأنها ركزت على تغيير الإجراءات، وأغفلت تغيير القناعات والسلوكيات. 

ومن واقع خبرتي، فإن خطط التغيير لا تفشل بسبب نقص الإمكانات، بل بسبب غياب الرؤية المشتركة، وضعف التواصل، وعدم إشراك العاملين في رحلة التغيير، والتفريق بين اتخاذ القرار وطريقة تطبيقه إلى جانب غياب مؤشرات واضحة لقياس الأثر وتصحيح المسار. فالقرار قد يصدر في لحظة، لكن بناء الثقة والالتزام يحتاج إلى عمل مستمر. 

أما استدامة التغيير، فتتحقق عندما يصبح جزءًا من ثقافة المؤسسة، تقوده قيادة تؤمن بالتطوير، وتدعمه بيئة تشجع التعلم والمساءلة والابتكار. وأؤمن دائمًا بأن المؤسسات التي تصنع الفارق ليست الأكثر إنفاقًا على التغيير، بل الأكثر قدرة على تحويله إلى أسلوب عمل وفكر مؤسسي مستدام.




*إذا نظرنا إلى مستقبل الإدارة المؤسسية حتى عام 2035، كيف ستكون شكل المؤسسات الناجحة وأولوياتها ؟ وكيف يمكن ان تكون اكثر مرونة ، ومواكبة للتحولات العالمية في الإدارة والذكاء الاصطناعي؟*


أعتقد أن المؤسسات الناجحة بحلول عام 2035 لن تُقاس بحجمها أو عدد موظفيها بقدر ما ستُقاس بسرعة تعلمها وقدرتها على التكيف مع المتغيرات. فالعالم يتجه نحو بيئة أعمال أكثر تعقيدًا وتسارعًا، ولن يكون البقاء للأقوى، بل للأكثر مرونة وقدرة على إعادة تشكيل نفسه باستمرار. 

ومن وجهة نظري، ستتمحور أولويات المؤسسات حول ثلاثة محاور رئيسية: بناء رأس مال بشري قادر على التعلم المستمر، والاستفادة الذكية من البيانات والذكاء الاصطناعي في دعم القرار، وتعزيز المرونة المؤسسية لمواجهة التغيرات غير المتوقعة. فالذكاء الاصطناعي سيصبح متاحًا للجميع، ومع اتساع استخدامه ستتراجع قيمته كميزة تنافسية في حد ذاته، بينما ستصبح الميزة الحقيقية في الإنسان القادر على توظيفه بوعي، وربط مخرجاته بالخبرة والحكم الرشيد والإبداع والبعد الإنساني. 

لذلك أرى أن الاستثمار الأكبر خلال السنوات المقبلة لن يكون في التكنولوجيا وحدها، بل في بناء إنسان مؤهل بصورة متكاملة يمتلك المعرفة، والمهارات، والقيم، والقدرة على التفكير النقدي واتخاذ القرار. فالتكنولوجيا قد تتشابه بين المؤسسات، أما جودة الإنسان الذي يقودها فهي التي ستصنع الفارق. 

وأؤمن أن التحدي الحقيقي لن يكون في امتلاك الذكاء الاصطناعي، بل في امتلاك العقول القادرة على توجيهه لصناعة قيمة مستدامة وتحويله إلى نتائج ملموسة



*تشهد المؤسسات المصرية خلال السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في تبني مفاهيم الحوكمة، والتحول الرقمي، والإدارة الاستراتيجية، وإدارة المخاطر. كيف تقيم ذلك*


أعتقد أن المؤسسات المصرية قطعت خلال السنوات الأخيرة خطوات مهمة في تبني مفاهيم الحوكمة، والتحول الرقمي، والإدارة الاستراتيجية، وإدارة المخاطر، وهو توجه يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية تحديث الإدارة ورفع كفاءة الأداء المؤسسي. لكن نجاح هذه التحولات لا يُقاس بعدد المبادرات أو الأنظمة التي تم تطبيقها، بل بقدرتها على إحداث تغيير حقيقي في ثقافة العمل وجودة الأداء وصناعة القرار. 

ومن وجهة نظري، يتمثل التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة في الاستثمار المستمر في رفع كفاءة العنصر البشري، وربط اختيار القيادات وتصعيدها وتطويرها بمعايير الجدارة والكفاءة والقدرة على الإنجاز، مع تطوير نظم الترقيات بحيث تقوم على الاستحقاق والأداء لا على الأقدمية وحدها. كما أن ترسيخ ثقافة المساءلة على جميع المستويات الإدارية يمثل ركيزة أساسية لبناء مؤسسات أكثر كفاءة وشفافية واستدامة. 

وأرى أيضًا أن الدولة استثمرت خلال السنوات الماضية في إعداد وتأهيل كوادر متميزة عبر برامج ومبادرات متنوعة، ومن المهم أن ينعكس هذا الاستثمار بصورة أكبر من خلال إتاحة الفرصة لهذه الكفاءات لتولي مواقع تتناسب مع تأهيلها وقدراتها. فالعائد الحقيقي من الاستثمار في بناء الإنسان لا يتحقق بمجرد التدريب، وإنما عندما تُستثمر هذه الخبرات في مواقع صنع القرار وإدارة التغيير، بما يحقق أفضل استفادة للمؤسسات والدولة. 

كما أن المرحلة القادمة تتطلب تغييرًا في الثقافة المؤسسية نفسها، بما يسمح بإعادة تعريف مفاهيم الصواب والخطأ داخل بيئة العمل؛ بحيث يصبح الصواب هو ما يحقق قيمة للمؤسسة والمواطن، ويعزز الكفاءة والنزاهة والابتكار، وعندما تترسخ هذه الثقافة، إلى جانب ما تحقق من تطوير تشريعي ورقمي، فإنني أعتقد أن مصر تمتلك كل المقومات لتحقيق قفزات مؤسسية وتنموية قد تتجاوز كثيرًا من التوقعات.



*وصفت افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية بأنه «إعلان إداري عن ميلاد مرحلة جديدة في إدارة الدولة». ما الذي يجعل هذا المشروع مختلفًا عن أي منشأة سيادية أخرى؟ ولماذا تنظر إليه باعتباره تحولًا في فلسفة الإدارة وليس مجرد تطوير للبنية التحتية؟وهل عربيا ما ينقص الادارة العربية برأيك، الموارد أم من فكر الإدارة؟*


الحقيقة أن أهمية افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية لا تكمن في كونه منشأة حديثة أو مشروعًا سياديًا جديدًا، وإنما فيما يعكسه من تحول في فلسفة إدارة الدولة. فالرسالة الحقيقية ليست في المبنى، بل في الانتقال إلى نموذج إداري يعتمد على تكامل المعلومات، وسرعة اتخاذ القرار، وإدارة الأزمات، واستشراف المستقبل، وهي جميعها ركائز للدول التي تسعى إلى تعزيز كفاءة مؤسساتها. 

ومن هذا المنطلق، وصفته بأنه إعلان إداري عن ميلاد مرحلة جديدة في إدارة الدولة. وأرى أن أحد أهم عناصر هذا التحول هو مشروع الربط والتكامل بين مؤسسات الدولة، لأن القرار الاستراتيجي لا تكون قوته في سرعة صدوره فقط، وإنما في جودة البيانات التي يستند إليها وتكاملها. وهذا ما كنا نؤكد عليه دائمًا كمتخصصين في الإدارة الاستراتيجية وإدارة التغيير؛ فوجود منظومة موحدة للمعلومات يرفع من دقة القرار، ويقلل زمن الاستجابة، ويعزز القدرة على إدارة المخاطر وصناعة السياسات بكفاءة أعلى. 

أما على المستوى العربي، فأنا لا أعتقد أن التحدي الرئيسي هو نقص الموارد، فالكثير من الدول العربية تمتلك إمكانات بشرية واقتصادية كبيرة، لكن ما ينقصها في كثير من الأحيان هو تطوير الفكر الإداري الذي يدير هذه الموارد. ولذلك أقول دائمًا إن الإدارة العربية تحتاج إلى تغيير الفكر قبل تغيير اللوائح، لأن اللوائح مهما بلغت جودتها لن تحقق نتائج مختلفة إذا ظلت طريقة التفكير كما هي. فالإدارة الحديثة لا تُبنى بالنصوص وحدها، بل بقيادات تمتلك رؤية، وتؤمن بالمساءلة، والاستثمار في الكفاءات، وإدارة التغيير باعتبارها عملية مستمرة. وعندما يتطور الفكر الإداري، تتحول الموارد إلى إنجازات، وتصبح المؤسسات أكثر قدرة على المنافسة وصناعة المستقبل.

تعليقات